بحث
  • محمد خليل حلواني

كيف نشأت حلقة الخضار والفواكه


لمشاهدة الموضوع الأصلي وبقية الصور والوثائق

على صحيفة سبق .. فهد العتيبي

https://sabq.org/2QyLRk

تُواصِل "سبق" البحث في وثائق ومُذكرات عبدالوهاب بن محمد حلواني المعني بشؤون الملك عبدالعزيز والأمور الخاصة بالطائف، حيث يروي الحفيد محمد حلواني عن فكرة تأسيس جده عبدالوهاب حلواني لحلقة الخضار والفاكهة، وكيف تطورت الفكرة معه فصار يقرض المزارعين القروض الزراعية غير الربوية، ومدهم بالآلات الزراعية، وفتح الطرق الزراعية لتسهيل نقل البضائع، حيث كانت قبل ذلك تعتمد وسائل النقل على الجمالة، ثم أصبحت من خلال اللواري، أو "الترنبيل"، وكان مكتوبًا عليها الحلواني،أو أبو زنادة.

ويضيف محمد من خلال بحث والده المحاضر خليل حلواني عن حلقة الخضار والفاكهة أن جده الحلواني، وأبناءه، طوروا فكرة الحراج والدلالة، واستحداث أنظمة الهورية، واللمامة، حيث إن الهورية صندوق توضع فيه البضائع، واللمام هو من يحرص على إعادة صناديق الهوريات، وعادةً ما يكون الحراج بعد صلاة الفجر، ولكن في رمضان يُقام حراج إضافي بعد صلاة العصر، وقد كان الباعة والجمالة يتغزلون في المنتجات الزراعية بقصد الإعلان والترويج لها، ومن أمثلة ذلك كانوا يطلقون على التفاح "يا أحمر الخدين يا وردي .. تعالوا شوفوه عندي"، وكان بيع الخضار والوريقات يبدأ في الحراج قبل الفاكهة.

ويُذكر الحلواني عن جده الشيخ محمد صالح حلواني أنهُ كان من عادته في رمضان إذا انتهى من عمله في الدلالة والتحريج على فاكهة وخضار الطائف أن يجلب العديد من تنكات التمر، ويجلب مائة رغيف عيش من العم عامر السفياني -رحمه الله - ويضع التمر في أرغفة الخبز توزع كوجبات إفطار صائم بواقع نصف رغيف بالتمر لكل صائم، ومن ثم يوزع قروشًا يتراوح عددها من خمسة إلى عشرة على من قام بمساعدته في هذا العمل .

وكما أن عبدالوهاب حلواني -رحمه الله- كان يُخرج زكاته السنوية من تجارته في الحلقة بعدة طرق من ضمنها صمايد "غترة" لطلاب المدارس والمساجد التي أنشأها في بعض ضواحي الطائف وغالبًا ما يكون عدد 15 درزنًا تحتوي ما بين 32 حبة و35 حبة لا يتجاوز سعرها الإجمالي 480 ريالاً لكل مدرسة، وتكون هذه المدارس والكتاتيب داخل المساجد التي بناها، وهي في الهدا، والرقعاء، وثمالة، ووادي النمل، والبواطن، والشرقي في ثمالة أيضًا، ومسجد المشاييخ في ثمالة، وفي وادي نخب، وجلال الغير، وهذا بخلاف التبرعات النقدية الخاصة بالزكاة لهؤلاء الطلاب والتي يتراوح قدرها ما بين 57 ريالاً سنويًا و48 إلى 76 ريالاً سنويًا، وأثناء زيارته -رحمه الله- لمساجد ثمالة، وبني سالم، كافأ بعض الطلبة بجنيهات ذهب، وبريال مجيدي، أو فرنسي كما يسمى في ذلك الوقت، وقد استطعنا معرفة أسماء ومقدار الراتب الشهري لأئمة هذه المساجد وهو عشرة ريالات شهريًا لكل إمام مسجد، يُضاف عليها عشرة ريالات سنويًا زكاة عن مال عبدالوهاب حلواني، أي يبلغ راتب إمام المسجد 130 ريالاً سنويًا .

وعن مفهوم "الكزبر"، يقول الحلواني: هو مُصطلح قديم عن جدهِ عبدالشكور حلواني -رحمه الله - كما ذكر في البحث، أن الفلاحين القاطنين في القرى كانوا يجلبون الفائض من إنتاجهم الزراعي على ظهور الدواب "الحمير والخيل والجمال" بقصد بيعها وشراء ما يحتاجون إليه من مواد غذائية مثل "البن والهيل والسكر والشاي والعسل والأجبان والملابس والحرير وغيرها"، ويجد الفلاح صعوبة بالغة في عملية بيع إنتاجه في سوق الطائف لطول الوقت الذي يستغرقه هذا المبيع ولعدم إلمامه بأمور البيع وهو في حاجة إلى أن يعوض هذا الوقت في مزرعته لزيادة الإنتاج، وحاجة الفلاح إلى وسيط أظهرت الجمالة الذين كانوا ينقلون هذه البضائع على ظهور الجمال إلى السوق، وقد كان يُطلق على الأجر الذي يقبضه الجمالة من بيع هذه السلع "الكزبر".

وعن القروض التي كان يقدمها عبدالوهاب حلواني للمزارعين، يروي الحلواني أن الملك سعود تبرع ذات مرة في حفل الإشراف الفعور بسداد ما اقترض المزارعون من عبدالوهاب حلواني، ومحمد علي مغربي، وأنَ عبدالله فريد حلواني ألقى قصيدة في هذا الحفل نُشرت بصحيفة أم القرى، ويتابع محمد حلواني أنه من خلال بحث والده خليل حلواني وجد أن الشيخ عثمان بن عبدالوهاب حلواني تحدث عن القروض الزراعية أنها جاءت مع تطور الدلالة وازدياد المنتوجات الزراعية لتسويقها، حيث ظهرت احتياجات لبعض الفلاحين الذين يرغبون بزيادة إنتاجهم الزراعي وتحسينه مثل احتياج الفلاح إلى ماكينة زراعية، وبذور، وجرار زراعي، وعمالة، وتلك الاحتياجات كانت تعالج بالمال الذي لم يكن متوفرًا لدى أغلب الفلاحين فنشأت الحاجة إلى الاقتراض من الدلال الذي يعدُ صديق الفلاح الأول في السوق، وهي عملية ذات الدين قصير الأجل والدين طويل الأجل وتُسدد تلك الديون عادةً بعد الانتهاء من موسم الإنتاج وحسب مقدرة الفلاح، ويكون الاقتراض بموجب سند وعادةً ما يشتري الدلال المواطير الزراعية باسمه وتُسدد قيمة المواطير على أقساط من دون فائدة لكي يستعيد الدلال هذا الماطور في حال تعثر السداد.

ويذكر، منصور عثمان حلواني - رحمه الله - من خلال البحث أن عملية البيع الخاصة بالمنتوجات الزراعية تستمر طوال السنة فيما عدا الإجازات الرسمية فقط، ونقل المنتوجات الزراعية في الأسواق، وتزداد حسب مواسم الإنتاج، وكل سلعةٍ لها فصل معين تظهر فيه وعادةً يأتي المزارعون من مزارعهم في المساء إلى السوق المركزي الذي يُطلق عليه حاليًا "الحلقة" أو "حلقة الخضار والفاكهة"، ويأتي كل مزارع إلى الدلال الخاص به، وكل دلال له عُمال خاصون به يساعدون المزارع في نقل السلع من السيارات إلى الأماكن المخصصة للدلال، وكل دلال له مساحة معينة توضع فيها المنتوجات الزراعية الخاصة بعملائه الفلاحين، وتُرص بطريقة مألوفة لدى الجميع، وهي عبارة عن خط طولي توضع به الهواري متراصة بجوار بعضها بعضًا، وكل مُزارع يضع إنتاجه من الهواري المحملة بإنتاجه ضمن هذا الخط، ويأتي المُزارع الذي من بعده ويضع إنتاجه بخطٍ موازٍ لزميله الفلاح الأول وهذا بالنسبة إلى جميع المزارعين، وفي فجر اليوم التالي يبدأ التجار يتوافدون إلى الحلقة لشراء حاجاتهم ويبدأ الدلال بعد الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالتشهير بأول إنتاج زراعي في خط البيع بالوقوف على أول هورية في الخط وكل فلاح يقف بجانب إنتاجه ويبدأ الحراج عادةً بالخضراوات ومن ثمّ الفاكهة، وبعد انتهاء المزايدة تكون هناك ورقة بها أسماء الفلاحين والتجار ويكتب صاحب السلعة في أول الورقة، ويكتب بجانب اسمه اسم السلعة، وعدد الهوريات، وقيمة البيع الإجمالي ومن ثمَ يكتب في آخر الورقة اسم التاجر، وعادةً ما يقوم التجار بالشراء بالدين وذلك للمعروفين والموثوق منهم، أما المستجدون على السوق يُكتب في أسفل الورقة نقدًا أي أنه سُلم المبلغ فورًا، ومن ثم يجتمع الدلالون والفلاحون في مكتب الدلال بعد الانتهاء من عملية الحراج على المنتجات الزراعية ثم تبدأ عملية الحساب مع أول فلاح وصل إلى مكتب الدلال، ثم الذي يليه وهكذا، ويتم خصم قيمة الدلال بالطريقة التي أشرنا إليها سابقًا، وفي نهاية الموسم يبدأ الفلاحون في استكمال حساب الرجاع من حساب أصل المبالغ التي وضعوها للدلال وذلك عن طريق ورقة يُطلق عليها ورقة رجعة، وبذلك يتم تسديد الديون التي على الفلاح أو على الدلال، وبعضهم يتعثر في السداد ويحتكمون لدى شيخ الدلالين بالحلقة ويحكم بينهم، والذي يوجد لديه عادةً دفتر خاص للدلالين، ودفتر خاص للهوريات، ودفتر خاص للمامين وهكذا.

ويذكر أبناء وأحفاد الحلواني عن ارتباط الفول بالحلقة، ففي شهر رمضان يكون هناك حراج بعد الفجر، وحراج بعد العصر، وأن أشهر الفوالين آنذاك كان فول العم إبراهيم المصري، عند زقاق الحبس، وفول العم محمد الحضرمي، عند باب الريع، وفول باعارمة بالقرب من دكان عبدالسلام عابد، وفول عبيد، بالقرب من دكان عبدالرحمن كمال - رحمهم الله جميعًا -، وان سعر الفول كان قرشين فقط، ثم تطور لأربعة قروش، ثم إلى اثني عشر قرشًا، ثم وصل إلى ما وصلت إليه الأسعار اليوم .

ويُشير الحلواني من خلال الحديث عن الحلقة أنها كانت بوسط السوق، ثم انتقلت عند باب الريع قبل أن تنتقل لموقعها اليوم، كما يذكر قصة الموسيقار طارق عبدالحكيم - رحمه الله - وهو من الرجال الذين شهدوا على حياة الشيخ عبدالوهاب حلواني، حيث أعجب به الشيخ عبدالوهاب حلواني بعد مشاهدته يجلب البضائع من مزرعة خاله لبيعها في حلقة الخضار والفاكهة، فزارهم بالمزرعة وسأل إذا ما كان يجيد القراءة والحساب وحين تبين له مهارته في القراءة والحساب دعاه للعمل معه برفقة أبنائه، وكما برع في الحساب واشتهر بالأمانة آنذاك العم محمد أبو الهطيل - رحمه الله - والذي عملوا معًا كمسؤولين عن المحاسبة وبيع الخضراوات والفاكهة، وتصفية حقوق المزارعين من ذمة الشيخ عبدالوهاب حلواني في الطائف، وكان بعد انتهائه من العمل يذهب للعشاء في بستان الشيخ عبدالوهاب حلواني في وادي ليه الذي عُرف ببلاد سعيدة، حيث يجتمع أعيان ومشايخ وأهالي الطائف مع عددٍ من الشعراء والمطربين الذين يحضرهم الحلواني للملك فيصل - رحمه الله - (النائب العام على الحجاز آنذاك)، وكان الشيخ عبدالوهاب حلواني من أكثر المشجعين له، ومن أكثر من دعمه ماديًا ومعنويًا قبل أن يلتحق بالدفاع، حيث طلب الأمير منصور بن عبدالعزيز، وزير الدفاع آنذاك كلاً من : العم محمد أبو الهطيل، والموسيقار طارق عبدالحكيم للعمل معه، وحيث إن الشيخ عبدالوهاب حلواني كان لا يجيد القراءة ولا الكتابة، قال للأمير منصور عن العم محمد أبو الهطيل، أنه عيني التي أرى بها، وأذني التي أسمع بها، ويدي التي أكتب بها، فطلب الأمير منصور الموسيقار طارق عبدالحكيم وابتعثه لمصر، وتحصلت عائلة الحلواني على صور نادرة للعم إبراهيم بن عبدالوهاب حلواني من مقتنيات متحف طارق عبدالحكيم .

يقول محمد حلواني، إن حلقة الخضار والفاكهة كانت سر ثروة جده عبدالوهاب حلواني، وبعد وفاته ترأس الحلقة ابنه الأكبر عبدالشكور، وبعد وفاته كان الابن الثاني إبراهيم قد توفي - رحمه الله - والابن الثالث عثمان حلواني - والذي كان معروفًا بخلع نعليه عند دخول الحلَقة احترامًا للنعمة قد تنازل عن مشيخة الحلَقة، فترأسها ولا تزال يرأسها الشيخ عمر بن عبدالوهاب حلواني حتى وقتنا الحاضر .

وعن تميز فاكهة الطائف، يروي أحد الحاضرين في تسجيل للأمسية التي أقامها الأمير طلال بن عبدالعزيز، في الطائف، للحديث عن ذكرياته مع الشيخ عبدالوهاب حلواني، أن الملك سعود - رحمه الله - حين كان ولي عهد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - بإحدى زياراته للطائف، كان نازلاً بقصر الحوية، وأن أحد الحاضرين ظل يتحدث عن عنب الطائف، والرمان، ويبلغ حجم الرمانة بها (أوقة) فسأل أحد الحاضرين بمجلس الملك سعود - رحمه الله - أين من الممكن أن توجد مثل هذه الرمانة بهذا الحجم، فأجاب بمزارع الشيخ عبدالوهاب حلواني، فكلفه الملك سعود بإحضار رمان من مزرعة عبدالوهاب حلواني، وإذا بها يزيد حجمها على "أوقة ونصف الأوقة".

#عبدالوهابحلواني #قصة #خبر #مقال #توثيق #محمد #الملكسعود #الملكفيصل #طارقعبدالحكيم #الأميرمنصوربنعبدالعزيز #قصيدة #قصائد #شعر #خليلحلواني #الحلقة #الملكعبدالعزيز

26 عرض